
في أكادير، أمام أبواب المستشفى الجهوي الحسن الثاني، لم يكن المشهد مجرد صفوف من المرضى المرهقين ينتظرون دورهم، بل كان لوحة من الصبر المنهك، والدموع المبحوحة، والآهات المعلقة بين السماء والأرض. هناك، تتقاطع القصص: أب يحمل طفله المتألم بين ذراعيه ويدعو الله قبل الطبيب، شيخ يتكئ على عصاه أكثر مما يتكئ على سرير الإنعاش، ونساء ينتظرن قدرهن المحتوم.
وسط هذا الوجع، حل السيد وزير الصحة بزيارة مفاجئةإلى المستشفى، وكأن المدينة كانت تنتظر قدومه ليُكتشف السر الكبير: أن المستشفى عاجز عن استقبال كل المرضى، وأن الأطر الطبية تقاتل بأظافرها، وأن الأجهزة المعطلة أكثر من الأجهزة التي تشتغل.
أليس الوزير نفسه من يوقّع الميزانيات؟ أليس في وزارته جيوش من المديرين والكتبة والتقارير؟ هل كان يحتاج إلى احتجاجات شعبية وصراخ الأمهات ليكتشف أن مستشفى جهوي لا يتنفس إلا بصعوبة؟
الساخر في القصة أن الوزير جاء ليعاين وكأن المرضى ضمنوا أسرتهم وتماثلوا للشفاء فجأة، وكأن الأطر الطبية ارتاحت لمجرد أن معاليه مرّ في الممرات. المعاينة ليست علاجا، يا سعادة الوزير. المعاينة لن تزيل دمعة أم، ولن تفتح قلب جهاز سكانير متوقف، ولن ترد الروح لمرضى ماتوا وهم ينتظرون.
الجواب واضح وظاهر مثل شمس أكادير: الأزمة ليست في أسِرّة المستشفى فقط، بل في الكرسي الذي تجلسون عليه أنتم. الوزارة تعرف، منذ سنوات، أن الأطباء قليلون والممرضين أقل، وأن المستشفيات تتحول إلى مقابر مؤجلة، لكنها تصر على سياسة “سنزور عند الحاجة” سنزور حبنما “يحتج الناس”.
الناس اليوم لم يخرجوا للاحتجاج كي يحصلوا على صورة مع الوزير، بل خرجوا لأن الوجع تجاوز طاقة البشر. خرجوا ليقولوا: لا نريد بيانات مطمئنة، ولا جولات معاينة، نريد فقط أن نحيا بكرامة، وأن يكون لنا مستشفى يليق بإنسانيتنا. ميتشفى يستوعب كل الجنوب.
فهل تكفي زيارة المعاينة كي يُشفى الوطن؟ أم أن المرض أعمق، والدواء يبدأ من وزارة تحتاج هي نفسها إلى إنعاش عاجل؟

