الشباب والأحزاب: بين الإرادة الملكية وتحديات التنزيل

الشباب والأحزاب: بين الإرادة الملكية وتحديات التنزيل
الشباب والأحزاب: بين الإرادة الملكية وتحديات التنزيل

بقلم الأستاذ عبد الهادي بودبليج

لا تكفي النصوص القانونية وحدها لبناء ديمقراطية حقيقية؛ إذ تظل الإرادة السياسية الفعلية هي الكفيلة بتحويلها من مجرد قواعد مكتوبة إلى ممارسات حية. وبين الإرادة الملكية السامية الداعية إلى إدماج الشباب في الحياة السياسية، وبين الواقع الحزبي اليومي، تمتد مسافة تستحق التأمل والتحليل.

عندما نستحضر تجربة علال الفاسي، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المغربية، فإننا لا نستدعي الماضي بدافع الحنين، بل نستحضره كمرآة نقدية لواقعنا الراهن. فقد كان في السادسة والعشرين من عمره حين انخرط بفعالية في قضايا الوطن وساهم في بناء المشروع الوطني. لم تكن السن هي مصدر شرعيته، بل الكفاءة والإيمان العميق بالقضية.

الإطار القانوني: نصوص متقدمة وممارسة متعثرة

جاء دستور 2011 بمنظومة متكاملة تؤسس لمشاركة الشباب في الحياة السياسية، حيث نص الفصل 33 على ضرورة دعم مشاركتهم، فيما ألزم الفصل 36 الأحزاب السياسية بأدوار التأطير والتكوين.

كما عزز المشرع هذا التوجه من خلال القوانين التنظيمية التي تفرض تمثيلية الشباب داخل الهياكل الحزبية ولوائح الترشيح. غير أن الإشكال لا يكمن في غياب النص، بل في ضعف التنزيل. إذ غالبًا ما يتحول الامتثال إلى مجرد إجراء شكلي، يغيب معه الإدماج الحقيقي والفعّال.

ومن منظور ديمقراطي، فإن هذا الوضع يفرغ مفهوم التمثيلية من مضمونه، لأن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، بل تشمل أيضًا جودة النخب ومشروعية تمثيلها. وعندما تُحتكر مواقع القرار بمعايير الأقدمية أو اعتبارات غير موضوعية، يصبح التمثيل ناقصًا في جوهره.

الإرادة الملكية: توجيه استراتيجي نحو تجديد النخب

شكلت توجيهات محمد السادس محطة حاسمة في الدفع نحو إشراك الشباب، حيث لم تقتصر على التشخيص، بل انتقلت إلى مستوى التوجيه والمواكبة. فقد دعا جلالته في أكثر من خطاب إلى تجديد النخب السياسية والانفتاح على الكفاءات الشابة، مع التأكيد على ضرورة التصدي لظاهرة العزوف السياسي.

وتكمن قوة هذه الإرادة في بعدها الاستراتيجي، إذ تجعل من الشباب فاعلًا أساسيًا في التنمية السياسية، لا مجرد كتلة انتخابية ظرفية. كما تضع الأحزاب أمام مسؤولية مزدوجة: قانونية وأخلاقية، تحتم عليها إعادة النظر في آليات اشتغالها وتجديد هياكلها.

بين النماذج والتحديات

في هذا السياق، تبرز بعض التجارب الحزبية التي حاولت التفاعل إيجابيًا مع هذه التوجيهات، من بينها تجربة حزب الاستقلال تحت قيادة نزار بركة، حيث لوحظ توجه نحو تمكين الشباب من مواقع المسؤولية والترشيح.

ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا في تعميم هذه الدينامية داخل مختلف الأحزاب، وجعلها ممارسة مؤسساتية لا مبادرات معزولة. فالتاريخ السياسي المغربي يبين أن التحولات الكبرى كانت دائمًا ثمرة طاقات شابة مؤمنة بمشروع وطني واضح.

الاستحقاقات الانتخابية: اختبار المصداقية

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول ملف الشباب إلى اختبار حقيقي لمدى مصداقية الخطاب السياسي. فالناخب الشاب اليوم أكثر وعيًا، وأقل تأثرًا بالشعارات، وأكثر ارتباطًا بمنصات التواصل الرقمي.

لذلك، فإن الأحزاب التي تنجح في تقديم كفاءات شابة قادرة على التعبير عن قضايا هذا الجيل، ستكون الأقدر على كسب ثقته. وهنا يلتقي القانون مع الإرادة السياسية والواقع الانتخابي في معادلة واحدة تفرض التغيير.

 

إن إدماج الشباب في الحياة السياسية ليس مجرد التزام قانوني أو شعار انتخابي، بل هو مشروع وطني متكامل. يقوم على قناعة أساسية مفادها أن الكفاءة لا ترتبط بالعمر، وأن الشرعية السياسية تُبنى على الثقة والإنجاز.

الأحزاب التي تدرك هذه الحقيقة اليوم، هي التي سترسم ملامح المشهد السياسي غدًا. أما تلك التي تظل رهينة منطق الأقدمية، فسيقصيها التاريخ قبل أن يقصيها القانون.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة