
استقبلني ابني مساء اليوم، و عيناه تضجان بقلق أسئلة الحياة، و قال بصوت خافت كأنه يستنجد:
أبي، أفكر أن أجتاز مباراة للتوظيف ما رأيك؟
كان صوته يرتجف بين الرجاء و الخوف، كأنه يستأذن مني حق الوجود، أو يطلب شهادة ميلاد جديدة في وطن يقدر الإنسان حسب منصبه فقط . لحظتها شعرت أنه لا يسألني عن وظيفة بقدر ما يضع بين يدي مصيره، يرسم على وجهي خريطة ارتباكه، و يبحث عن بصيص أمل في رجل علمته التجارب أن الطرق المؤدية إلى النجاة محفوفة بجثث الأحلام.
ارتجف قلبي، كأني أرى حياتي تعاد في ملامحه الغضة، رأيت فيه الحلم نفسه الذي دخلت به يوما، و كنت أود أن أصرخ فيه: اهرب قبل أن يسلب عمرك كما سلب عمري ، لكن لساني انعقد، و غلبتني الهزيمة التي صرت إليها فلم يكن مني إلا أن أجبته بوصيتي: أن أنصت بني ، أنا أبوك الموظف
أحكي لك لا من موقع الحكمة المتعالية، بل من قلب أنهكته الثامنة والنصف إلى الرابعة والنصف. كنت مثلك يوما، أرى الوظيفة سلما يرفعني، فإذا بها قفص ذهبي يغلق بابه علي صباحا ويتركني بلا نفس حتى المساء، كأني محكوم بعقوبة طويلة في معسكر بلا جدران ، اما في الخارج فكانت الحياة تمر موكبا صاخبا بالألوان، و أنا خلف النافذة أراقب ظلالها على أوراقي الباردة. كنت أوقع الملفات و أجمع الطوابع، بينما أنت تكبر هناك في البيت، و أنا لا أشعر بك، لم أستمتع بلحظات طفولتك، و لا بشغبك، و لا بضحكتك الصغيرة، كنت أعود إليك منهكا، كأني زائر غريب في بيت لم يعد يعرفني. لن تصدقني الآن، كما لم أصدق أنا من سبقوني.
ستظن أن الوظيفة استقرار و كرامة، بينما هي استنزاف صامت. لن تستطيع الغياب إلا بإذن، و لن تأخذ عطلة إلا بقرار. و إذا مرضت فلن يصدقك أحد حتى تأتي بورقة مختومة، و أحيانا حتى الورقة لا تكفي، فيرسلونك للفحص المضاد، كأنهم يشكون في صدق التعب على وجهك
ستفقد نوم الصباح، ستفقد شبابك و رجولتك بين المعارك الصغيرة و الحروب الباردة في ردهات المكاتب.
ستلهث وراء وسائل النقل لتصل في الوقت المحدد لك، و تعيش مشدود الأعصاب، تبتلع الأقراص، هذه للجسد وتلك للأعصاب. ستنتظر زيادة في الأجر أو ترقية في السلم كما ينتظر المريض معجزة من السماء.
و عندما تصل إلى آخر الطريق، ستجد نفسك كما سأجد نفسي في حفلة توديع باردة، بكلمات محفوظة، بشهادة و هدية لا تساوي شيئا أمام حياتي التي سرقت.
أما دموع الزملاء فليست من أجلي، بل على مصيرهم المشابه.
ستعود إلى بيتك صامتا، و في صباح أول يوم من تقاعدك، ستكتشف فجأة أن أولادك كبروا و رحلوا، و أن شريكة حياتك هرمت و غزا الشيب رأسها، ستتأمل وجوههم و تتساءل بدهشة: متى حدث كل هذا؟ عندها سيتردد في داخلك صوت ساخر: لقد سرقت الوظيفة عمرك بلا فائدة.
سيعاتبك ضميرك آخر عتاب، لماذا لم تغادرها و أنت في كامل طاقتك لتعيش حياتك؟ و ستجيب كما أجبت أنا، لم يكن لدي خيار آخر، لم تكن لدي الإمكانيات.و ستستسلم لتبدأ رحلة العلاجات، و اليأس، و الاكتئاب. ستموت بصمت، دون أن يلاحظ أحد غيابك ،لان من عاش منحنيا يموت بلا مقاومة.
و هكذا تتكرر المأساة ، بعدك سيتقدم شاب آخر إلى الوظيفة نفسها، يحمل الأحلام نفسها، يسير إلى المصير ذاته، يبتسم كما ابتسمت أنا يوما، و أنت اليوم، و لا يعلم أنه يسير نحو القفص نفسه. حياته مثلك، ستستهلك حتى آخر قطرة، بينما الحياة الحقيقية تلك التي حلمت بها و حلمت بها و حلم بها لن تتكرر أبدا.
أنصت بني: واجه مصيرك وحدك، و ليكن كما أردته أنت، لا كما فرض علي أنا.

